أثر الراب في السنوات الثلاثين الآخيرة على المجتمع الأمريكي والشباب فيها وحتى على المجتمع العالمي في أوائل القرن المعاصر بشكل لا مقارنة له في التاريخ. بدأ الراب في أمريكا ولكن أخذ أشكال متنوعة لأسباب مختلفة في أماكن مختلفة عندما ازدهر، ولذلك استمر لأن عنده أهداف مختلفة. قبل أن ندخل ونتعمق في موضوع الراب وأثره على العالم يجب أن نقدم تاريخه مع تقديم عن الواقع قبل وجوده ثم من الصواب أن ننظر إلى أهدافه المتنوعة ونصل إلى موضعه الراهن ومستقبله ولكن من نقطة الصفر علينا أن نوضح معنى الكلمة نفسها.
معناه الصحيح
قيل إن كلمة "راب" اختصار باللغة الانجليزية بمعنى "الشعر الأمريكي الإيقاعي" (انجليزي: Rhythmic American Poetry) وهناك اختلاف على هذا حيث يقول البعض إنه بمعنى "الشعر الأفريقي الإيقاعي" وأيضا "الإيقاع والشعر". لغويا تعني الكلمة الكلام السريع ولكنها تظهر بالمعنى الاصطلاحي معظم الوقت وهو الكلام الإيقاعي فيه قافية يقال على ما يسمى "بِيْت" الذي قد يكون موسيقى أو أي صوت فيه إيقاع لأن الفرق الوحيد الذي يميز الراب عن الشعر هو بتقديم الشعر مع الإقاع.
العالم قبل الراب ومكانة الشعر في الغرب
قد حدث تقدم طبيعي في الموسيقى بمرور الوقت بسبب إرادة الإبداع والإرتجال فإن التقدم بمجال الفن محتم. قبل ظهور الراب، العالم الموسيقي كان مركزا على الموسيقى الصاخبة التي تميل إلى هدف الرقص أكثر من الاستمتاع، ولا نشوة فيها بسبب ملامحها التي تتيح فرصة الرقص. في الوقت الذي ظهر فيه الراب للمرة الأولى كانت موسيقى الديسكو مشهورة وشائعة. سبّب هذا الجيل الذي أهتم بالرقص كثيرا وأهتم بثقافة الديسكو والذي جاء بعد الستينات - أي عصر ال"هيبي" و"وودستوك" الذي أعتمد على كثير من المخدرات ليفهم معنى الموسيقى أو بعبارة أخرى ليحس بأنهم يفهمون الموسيقى - ظهور الراب. لا توجد أصلا كلمات كثيرة في الموسيقى من هذا الزمن بل كانت تجرب وتستكشف أنواعا جديدة من الفن الموسيقى.
إن الشعر في هذا الزمن قد ضاعت مكانته التي كان يمسكها بقوة فيما مضى قبله بعشرين سنة. كانت هناك البداية في العشرينات في المدن الكبيرة في الولايات المتحدة حيث ظهر أفراد يقرأون شعرهم وكان الحضور لهذه القاءات عددها يتعدى عددهم في الحفلات الموسيقية في الوقت نفسه. تشير هذع الأرقام إلى أهمية الشيئين مقارنة ببعضهما البعض. ساعد ثمن التليفزيون في منتصف القرن العشرين الموطنين الأمريكيين في تغيير مفهوم الثقافة ولعب دورا هاما جما في ذلك، حيث كانت الثقافية السمعية (ثقافة الراديو) تساعد على تشجيع الخيال والتركيز في معاني الكلمات والتي تحولت إلى ثقافة بصرية تحوز على اعجاب الشخص وتأسر خياله وتنادي بالكسل وعدم القدرة على الابداع.
تاريخ الراب حتى يومنا هذا
ترجع جذور الراب جغرافيا إلى الولايات المتحدة خاصة ولاية نيو يورك وقيل إنه وليد الصدفة. القصة الأكثر انتشارا عن بدايته تختزل الموضوع في بعض الحفلات التي كانت تقام، حيث يمسك الدي جاي (وهو الذي يختار ويسيطر على الموسيقى في الحفلة) الميكروفون ويقول جملتين أو ثلاثة فيها قافية ولكن تنقصها المعنى وتهدف إلى تشجيع الحاضرين. تطور الراب بعد تلك اللحظة بسرعة وبنى حوله ثقافة (كما نرى مع كثير من الأنواع الموسيقية في بدايتها) نسميها "هيب هوب" تتكون من الراب والرقص المكسور والجرافيتي ولكن اسم هذه الثقافة حاليا لها ضمنيات بالراب فقط ففقدت المعانى الأخرى بمرور السنوات. إذا حاولنا أن نتعرف على طبيعة العلاقة بين السود في أمريكا والراب على خلفية تاريخ الراب وتأصيله لأنه أخترع من قبلهم. السود في أمريكا في أول صيغة الراب كانوا الوحيدين الذين اشتركوا فيه وشكلوه للعشر سنوات الأولى تقريبا حتى أستغلته وسائل الإعلام بعدما رأت فيه فرصة سانحة لكسب المال في الثمنينات. فترسخت مكانة الراب على هوامش المجتمع الأمريكي في السبعينات انتهاء باستغلاله في الثمنينات.
تقدم الراب بطبيعته وقسم إلى أزمنة مختلفة تميزها أساليب متنوعة وتراكيز متعددة خلال هذه الفترات. أول فترة تسمى بالولادة وتمتد من عام ١٩٧٥ حتى ١٩٨١ وكانت عبارة عن القافية فقط وبعض الأحيان نرى عدم وجود معنى في نصوص الأغاني في هذه الفترة. الفترة الثانية تسمى ب"المدرسة القديمة" أي "أولد سكول" وكانت بداية الإبداع اللغوي والطرازي في طريقة وصول الكلام إلى المستمع وحتى ألفاظ الكلمات، وتعتبر هذه الفترة لكثير من المعجبين الولادة الحقيقية للراب المعاصر لأنها أسست النمط الذي يبني الرابرز (الذين يقيمون بغناء وإلقاء الراب) عليه حتى الوقت الراهن، وكذلك يأخذ منه إلهاما حقيقيا. الفترة بعدها تسمى ب"العصر الذهبي" وأيضا "أفرو سنترك" وهي من ١٩٨٧ إلى ١٩٩٣. هذا الوقت كانت قمة الراب بالنسبة لوسائل الإعلام في القرن العشرين، واستغلال الراب نضج في هذا العصر. أثر استغلال الراب على ذاته بشكل لا مقارنة له في أي نوع أخر من الموسيقى، وهذا التأثير استقطب حركة في الراب عكست فكرة كانت موجودة في تلك الوقت بين السود في أمريكا وهي الأفرو سنترسم (بالتلخيص هي بمعنى الرجوع إلى أصولهم الأفريقية)، فهذه الحركة عكست الاستغلال الرمزي الذي يؤدي إلى سرقة الراب (ورمزيا سرقة ثقافة الهيب هوب وعموما ثقافة السود) للبيض الذين كانوا أصحاب شركات وسائل الإعلام، وقد تكون سببها رد فعل على استغلال هذا الشعب وثقافته. جاءت بعد ذلك فترة تختلف عن الفترات السابقة ومن الصواب أن نقول إن الراب فقد براءته في هذه الفئة من تقسيم الأزمنة وحتى اسمها له دلالة على ذلك وتسمى ب"جانج ستا" (تعني بلطجية). تميز هذا الفرع من الراب بأن يكون الرابر بلطجيا يظهر قوته وعدم خوفه لأي شيء وارتكز الكلام فيه على القتل والمخدرات وصعوبة الحياة بين الناس من الطبقة الدنيوية. بين عام ١٩٩٦ وعام ٢٠٠٤ تبدل تركيز الراب من العنف والفقر إلى الفخر والمال الكثير واسم هذا الباب في تاريخ الراب "بوب" ومن المثير أن ننظر إلى مستواه في هذا الجزء من تقسيم الراب لأنه بدأ يظهر مرة ثانية في وسائل الإعلام بعد استغلاله ثم غطسه في فترة الجانج ستا وأخيرا ثم طفوه على السطح ثانيا واندماجه في المجتمع الأمريكي العام من تلقاء نفسه بدلا من إرادة المال من المديرين التنفيذيين. سنة ٢٠٠٤ حتى ٢٠٠٨ تسمى ب"الجنوب" بسبب إخراج الراب من الرابرز في جنوب الولايات المتحدة في أماكن مثل أتلانتا وهيوستن ونيو أورلينز. من ٢٠٠٨ حتى اليوم نرى تغيير بسبب شهرة ودخول رابرز من كندا جاءوا بصوت وشكل جديد خاص بهم مختلف عما سبق في مجال الراب، ويتكون من خليط بين الراب والغناء. يروق لي أن نرى هذا التغيير لسببين رئيسين وهما أن الراب بلغ بلدان مختلفة ورجع بشكل موفق! وأيضا لأن هذا الشكل الجديد يمكّن اندماج الجنسيات والناس في المشاركة في هذا النوع من الفن الجميل المهم على الرغم من خلفيتهم أو لون بشرتهم.
إنتشاره وأهدافه
انتشر الراب مثل النار في الغابة لأسباب متنوعة. أولا دعني أقل ربما لو لم تستغله الشركات الكبيرة في الثمنينات ما أنتشر بشكل رائج كما رأينا في واقع الأمر، فكان سلاح ذو حدين. الراب سهل المنال لأن الشخص لا يحتاج إلى شيء غير عقل سليم وأعني بذلك أي شخص يقدر ينتج الراب لأنه في الأساس شعر بالإيقاع، ولذلك من وجهة نظري الشخصية هو محبوب عند الطبقات الإجتماعية الفقيرة. بالإضافة إلى ذلك هو ممتع لأنه يوظف المخ والإبداع والخيال. فوق هذا كله هناك جهة المنافسة عندما يقيم بعض الرابرز ب"باتل" أو معركة ضد بعضهم البعض أمام جمهور ويهجون بعضهم البعض وهم يخترعون الكلمات في غمضة عين.
إن أهداف الراب تختلف بإختلاف الأزمنة والأقطار لتشمل جوانب كثيرة من حياة المجتمعات والشعوب. على سبيل المثال المشاكل الحياتية مثل الفقر وتأثيره على الطبقات المتدنية مثل إنتشار الجرائم وتعاطي المخدرات وأهداف سياسية وإقتصادية وما نحو ذلك. بالنسبة للفروق في الجغرافية نجد أهداف أكثر تعمدا مثل بداية الراب في ألمانيا في أوائل التسعينات التي كانت تعبيرا عن المشاكل الإجتماعية والسياسية والمحن اليومية كهوامش المجتمع، مثل الذي عنده جواز السفر ألماني ولكنه من أصل مختلفة وهذا مما لا شك فيه يدل على تكوين ثقافة بين مهاجرين سواء أخذوا جواز السفر في مكان ما أم لم يأخذوه.
تأثيره
ولعل من الواضح أنه أثر على أمريكا وثقافتها تقريبا في نصف القرن الماضي بشكل رهيب. وما لا يجب إنكاره أو الغفلة عنه هو أن أمريكا ولدت هذا الفن فهو جزء لا يتجزء منها، والراب، مثل أمريكا، تغلب على أزمنة صعبة ومختلفة وكان وما زال يستمر بالتقرب إلى المعنى الحقيقي من التنوع والسلام. وفضلا على ذلك فإنه رجوع إلى فن بسيط ولكن دقيق ومحترم وعريق كان موجودا وشائعا حتى في حياة النبي رسول الله صل الله عليه وسلم. وعلى المستوى العالمي فهو موجود في كل أنحاء العالم. في أوائل القرن المعاصر اتسعت رقعة الراب وشهرته بسبب الإمكانيات التكنولجية لانتشار الموسيقى (أي عبر الانترنت). فهناك مغني راب يقتن في نيو يورك بدأ يغني الراب منذ سنة فقط وما زال غير معروفا في نيو يورك أو أمريكا بشكل عام ولكن له ألآف من المعجبين في كوريا. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الشعر رجع إلى الشهرة وكما أثر الشعر على قلوب الناس وأعجبهم منذ أول بيت كتب في تاريخ هذا الكوكب الأرضي، وما زال يتهامس إلى قلوبنا بطريقة ليست لها مثيل وما دام يؤثر على المستمع تأثيرا تحفيزيا.
الوضع الراهن والمستقبل
تجلى تداخل تأثير الموسيقى المختلفة واندماج الشعوب ليصل بنا إلى الراب في ثوبه الراهن، ويقول بعض النقاد - بالرغم من عدم وجود اسم ثابت للمرحلة المعاصرة من الراب - قد يكون مناسبا لنسميه "الشمال" لأن الرابرز المشهورين في السنوات الأخيرة معظمهم من كندا وتورونتو بالذات وحتى مولد الفن نفسه نيو يورك يجرب حاليا الرجوع إلى مكانته كَلُب هذا الفن في هذه السنوات. استنادا إلى المعلومات التي عرضناها يمكننا الذهاب بالقول إلى أن مستقبل هذا الفن العريق القديم بشكله الجديد الذي يختزل بكلمة "راب" عنده أفق واسعة ومستقبل طويل مليئا بالتطورات ونتمنى أيضا أنه يصل بنا إلى السلام على المستوى العالمي.
مصادر
http://en.wikipedia.org/wiki/Rapping (١)
The Rapper's Handbook: A Guide to Freestyling, Writing Rhymes, and Battling، 2006, Harrison & Rappaport (٢)
No comments:
Post a Comment