مشى مصطفى في الشارع بدون هدف ولم يعرف أصلا إلى أين يمشي. نظر إلى الإشارات المضيئة على المبانى العالية التي كانت تتلألأ في عينيه وجنن من الألوان المختلفة وفكر لنفسه إذا كانت هناك نهاية لهذه المبانى المستمرة بلغة السماء. كانت هذه الأيام غير عجيبة في حياته ويمشي كل يوم في نفس الموعد طوال المدينة، ولكنه لا يمشي على البحر أبدا مع أن كل الناس يفضلون المشي على البحر. تم التغلب على كل ملابسه بالتجاعيد وكان شعره لامع بسبب تجمع الشحم. كان يفكر كثيرا وهو يمشي بقلب الليل، الأفكار تفيض وتزدحم أفكاره وتمنع التركيز في أي موضوع معين حتى بلغت المستوى اللاشعورى واللاشئ. نظر إلى السماء بروعة وتأمل بانغام الأرض والسماء ولكنه كان ليس قادرا على تماسك أفكاره المبددة. شعر بسلطة السماء والأرض والنجوم القليلة التي رأاها خلال الغيوم المركزة تمضغ قشر السماء ولكن لا يدري يعبر عنها ولا يريد ذلك أيضا. أبعد نفسه عن المجتمع لأنه لا يحب التواصل على الدرجة المطلوبة بالنسبة للمجتمع الراقي الذي يسكن فيه.
أخوه الأكبر عبد الله لم يفهم طريق أخيه الصغير في الحياة واعتبره ضاع ويرى بأنه لا يمسك شيئا ثابت ويمشي في الدنيا من غير هدى. قال إن تأثير الإعلام والآراء المنتشرة المتعارضة دينية عبر الانترنت وضعته في ركن مظلم في هذه الدينا المشوشة، ولذلك لا يفقه التعامل السليم بين الناس ولا النظام الاجتماعي، وبسبب عدم الفهم في ذلك لا يشارك في حياته أحد. عبد الله رجلا ملتزم ومقتنع بالدين والنظام والروتين فأصبح ضابطا في الجيش من ثلاث أعوام. اذا ما كان مشاركا في الجيش فكان ملتحيا لأنه يتبع الدين على قدرته الإمكان ويصلي ولكنه لا يهتم بدراسة الفقه ولا التفسير ولا الشريعة بشكل مستمر لأن يكفيه بأن يستمع إلى الشيوخ والمفتين الذين يظهرون في التلفاز ويخاطبون الجمهور عن الأشياء البسيطة وحتى أحيانا السياسية. ولكن كلامهم ناقص النصيحة الصالحة حتى لا يذكرون الذكر أو تحفيظ القرآن أو أي شيء عن العقيدة التي بنيت عليها أساس الدين. فيشرب عبد الله من هذا بئر المعلومات الدينية ويبوله في اذني كل الذي يتعرف عليهم اذا ذكروا موضوع الدين.
عبد الله لا يدري عدم اهتمام أخيه بالدين ولا يدري لماذا مصطفى غير مقتنع أم لا مبالي لأنه كمعظم الأشخاص الذين يتبعون فريقا لم يتفحص الدين أو أفكاره. فالدنيا منفصلة إلى قسمين: الذين يتبعون الدين و'يجاهدون في سبيل الله،' وغيرهم; فإذا عبد الله يرى أخاه من وجهة النظر هذه أيضا ولكن رحمته تريده أن يصف مصطفى متلصصا في الحياة وبأنه سيجد الطريق الصحيح المستقيم بعد فترة على الرغم من الفترة الحالية حينما يعارض الدين. ولكن عبد الله لا يعطف على مصطفى حتى لا يفهم أنه لا يعارض الدين ولكن ليس له أفكار عن الدين أساسا. هو لا يشابه أخوه مجلجل الرأي والكلام، بل هو هادئ وقليل الكلمات ولا يتكلم إلا أن يواجهه أحد سؤالا فيجيب بكلمة أو كلمتين أو ثلاث ثم يراجع إلى السكوت. ذلك هي طبعية مصطفى: التأمل وليس الكلام.
تخرج مصطفى من كلية التجارة بأعظم درجة ممكن ومنذ سنتين يشتغل كنجار في دكان صغير في المنطقة بجانب منطقته لأن الشغل اليدوي ممنوع في منطقته الفخمة الفخورة برفاهيتها. أبو عبد الله لا يوافق على اختيار ابنه بالشغل اليدوي لأنه تخرج من كلية التجارة ولم يشتعل في المجال بعد، ولكنه رجل لطيف وخفيف الدم ومتقدم الأفكار فهو على دراية حرج ابنه ويرى مثل عبد الله بأن هذا فقط مرحلة في حياته فأحسن الغياب عن القرارات فيها في وقتئذ.
ينتج مصطفى ساعات جميلة فريدة من الخشب ولا تشابه هذه الساعات غيرها. يحب الساعات لأنه مفتون بمفهوم الوقت المستمر إلا الأبد ولا يغير مكانه في الطريق المباشر إلى الأمام. يجد الخلق الشيئي الأبدي اللانهائى خلابا ومضيعا وخصوصا لأن يمكنه البناء الجمال ويقدر الخلق والابداع الأعلى الطبيعي يصدره صدره. هو لا يفكر وهو ينتج الساعات ولكنه يعمل فقط كأنه آلية. إن يقضي ساعات بعد ساعات في شغله فإن هوس به كأن السحب تنزل عليه وهو يشتغل فلا يرى أم يفكر في غير شغله كأنه في غيبوبة صاحية حالما بالوقت والساعات والأبد واللانهائية…
يوما من الأيام أتى شخص عجيب إلى المحل وطلب من مصطفى أن يبني له ساعة بسيطة ولكن جميلة، كبيرة ولكن ليست زيادة على اللزوم، مدونة ولكن كدائرة مظبوطة، وأكثر شيئا غريبا في هذا الأمر كان ما قال الرجل في نهايته، "ولازم تشبه جمال الله وتغني بسبحانه." قال الرجل إنه سيسافر ويرجع بعد ثلاث شهور ووفق مصطفى بالوقت السائغ لبناء الساعة هذه ثم ترك الرجل المحل وتلاشى في نور الشمس في الخارج. فكر مصطفى بعمق ردحا من الدهر بالجزء الأخير من الطلب لأنه حس بشعور مسرة من هذه الكلمات القليلة ولم يستطع يسفر السبب لماذا.
في الحقيقة هذا الرجل كان أول زبون زار مصطفى من نصف سنة، وقبله دخل فقط أربع أشخاص محله المختفى، واشترت منه واحد فقط من هؤلاء الناس: اشترت ساعة جاهزة وبسرعة جدا لأنها كانت متأخرة لزفاف ودخلت المحل لأنه كان في الطريق ولم يكن معها هداية. فإن الطلب كان أول شيء مطلوب منه في المحل وليس من نفسه، وفوق ذلك كان أيضا أول شيء في حياته كلها يجعله فكرا لوقت طويل ولا يوجد إجابة. كان أيضا أول مرة في حياته وهو يفعل شيئا لشخص غير نفسه، ولم يستطع مساغا لهذه الحقيقة، فوقف أفكاره وغلق محله بكيرا وتمشى في الشوارع بدون هدف معين مثل الدائم، ولكن نوى على مستوى اللاوعي أن يمشي حتى يحل المشكلة في باله (أي يركز على فكرة معينة). زعج وزعل بعدما كسبت المشكلة على قدرته على الأفكار، وبسبب تشغيل باله في القضية فلم يعِ من الطريق ووجد نفسه في منطقة من المدينة لم يرها من قبل ولا يعرف أين هو أو كيف يرجع إلى منزله. عند ذلك سرع مشيته في الاتجاه المتعارض أملا بالنظر إلى شيئا أو مكانا يعرفه.
شعر بشعور غريبة لم يواجهها سابقا وتذكر قصة قد وُلعت في طفولته ولكن لم يسمعها بعدا. وهي عن رجل في زمان قديم في مجتمع أبسط بكثير من المجتمع المعاصر، وكان الناس في ذلك المجتمع يتبعون تقاليدهم الشديدة مقارنة بالتقاليد الحالية، ولذلك لم يترعرع المجتمع بل هو وقف عند حدود البلد ولم تبلغ المدن الأخرى. ثم جاء أحدا بثورة سميت أحيانا بأكبر ثورة في تاريخ العالم من أول خلقه، وخلف التقاليد لكي يجيء بتقاليد أجمل وأجمد وأصح، ولكن قبل أن تم بالثورة هذه، وجه اضطهاد وخوف شديد وأخيرا هرب من بلده حتى يمج التقاليد الأولى التي لم تلِن. مصطفى رأى نفسه في مكان هذا البطل ضد تقاليده وعدم التركيز في أفكاره القديمة التي تحرب حاليا في مخه ضد هذه الشعور غريبة وهذا عدم الإجابة مع أنه مركز جدا في حاله وباله. مر الوقت بمشية سرعية وبعد ساعة ما زال غير مدركا مكانته. حس على الفور بالملالة الشديدة وبدأ جسمه يرعش ثم حقق بأن الأرض تمخضه وتحصر حوله ثم: اسود.
*****
يجلس مصطفى في قهوة في نيو يورك شاربا اسبرسو وما زال يمجر بعد ما انتهى من المشروب الصغير المثير للاستيقاظ فطلب مياه من الجارسون. الشمس قوي ويحر وجهه فانتقل من مكانه بجانب الشباك إلى مكان ظليل. جاءت المياه فشرب منها مصطفى ورضى. نظر إلى الشباك الذي كان يجلس عنده ورأى وراءه ضوء العصر غريبا وأقوى من العادي. عندما رجع نظر أمامه رجل كبير في السن يمكن أن يكون في السبعين من عمره، طويل القامة ونحيف الجسم ولابس جاكيت أخضر مثل الغابة. شبه إطاليا وكان عنده ذقن طويل وأبيض مثل الغيوم، ووجهه كان تعبان والخطوط عليه كان بين وعميق وشكلها عتيق. قبل ما قال أحد منهما شيئا للأخر وضع الرجل يده على كتف مصطفى ولما أومض مصطفى ثم فتح عينيه استغرب، فإنهما كانا في حقل هادئ وأخضر وواسع وبدون أي صوت أو حركة ويبلغ آخره السماء، وعلى يمينه ويساره بداية غابة طويلة ولونها شديد يتعمق في العين عندما ينظر إليها، بلغا للروح. أمامه قام الرجل ولكن بشكل مختلف. يلبس الآن ثوب أخضر وعليها جبة خضراء أخف من الثوب، ويرتدي عمامة على رأسه ولونها خليط بين السماوي والأخضر. يداه كانتا سمراء كأنه يزرع أو يفعل أشياء في الأرض كثيرا. كان يمسك في يده اليمين كوب من الحليب و في يده اليسار سمك ثقيل جدا، ولكنه كان يمسكه بسهولة. ثم قال:
"اسمي يوسف. لمَ استرقت هكذا؟ أنا أعرفك من زمان وأنت لم تعرفني جيدا ولكني أحبك يا بنى. أنا أريد أنك تنظر إلى الدنيا كما أراها. اشرب من هذا الحليب وستجد طعمه من الحنكة والحكمة. وبعده أنا أريد أن تأكل من هذا السمك وستجد طعامه من العلم. بعد ما انتهيت من هذين الشيئين لن تحتاج أي شيء بعد في الدنيا."
بدون أن يقول كلمة واحدة فعل ما أراد يوسف منه حتى يرضيه، وعندئذ لم يفهم مصطفى الأفكار ولا الكلام، فهم فقط الشعور، وشعر بالزلط حالا. كل شيء رأاه مصطفى كان يضيء بألوان عجيبة وكانت تغني بأصوات أجنبية ولكن أحلى أصوات سمعتها الدينا. لم يرَ مصطفى السخاء الحقيقية قبل هذه التجربة؛ كان يظن قبل تلك الساعة بأن ما يحدث ليس في الإمكان، ولكنه يعرف الآن بأن كل شيء ممكن. حس أن كل شيء في الدنيا قد رُصص وكان مسرور بالرقبة التي جاءته فترقرق بالدموع حتى غرق.
عندما فتح عينيه رأى أمامه ساعة على المكتب الذي كان ينام عليه. نظر إلى الغرفة حتى عرفها كالمحل الذي يشتغل فيه. قام من مكانه حيرانا وفحص الساعة البسيطة أمامه وظن بأنها عادية جدا ولا يتذكر بنائها. لمس الخشب وكان يحس بأنه ليس خشب عاديا ولكنه يعيش كأنه ما زال على الشجرة، وعندما دقت عقارب الساعة سمعها تغني له كلمة واحدة باستمرار: "الله".
تمت القصة والحمد لله.
No comments:
Post a Comment